الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

56

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

أهله ، فكان ذلك سبب نجاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وحفظ دمه ، وبقائه حتى صدع بأمر ربه . ولولا أمير المؤمنين عليه السلام وما فعله من ذلك ، لما تمّ له التبليغ والأداء ، ولا استدام له العمر والبقاء ، ولظفر به الحسدة والأعداء . فلمّا أصبح القوم وأرادوا الفتك به ، ثار أمير المؤمنين عليه السلام إليهم فتفرّقوا عنه حين عرفوه ، وكان بذلك انتظام الايمان وإرغام الشيطان ، وخذلان أهل الكفر والعدوان ، ولم يشاركه في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام ، ولا أحيط بنظير لها على حال ، ولا مقارب لها في الفضل بصحيح الاعتبار . وفي أمير المؤمنين عليه السلام ومبيته على الفراش أنزل سبحانه‌وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نفَسْهَُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ . قال : ومن ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان أمين قريش على ودائعهم ، فلمّا فجأه من الكفار ما أحوجه إلى الهرب من مكّة ، لم يجد في قومه وأهله من يأتمنه على ما كان مؤتمنا عليه سوى أمير المؤمنين عليه السلام ، فاستخلفه في ردّ الودائع إلى أربابها ، وقضاء ما كان عليه دين لمستحقيه ، وجمع بناته ونساء أهله ، وأزواجه والهجرة بهم اليه ، ولم ير أنّ أحدا يقوم مقامه في ذلك من كافة الناس ، فوثق بأمانته ، وعوّل على نجدته وشجاعته ، واعتمد في الدفاع عن أهله وحامتّه على بأسه وقدرته ، واطمأنّ إلى ثقته على أهله وحرمه ، وعرف من ورعه وعصمته ما تسكن معه النفس إلى أمانته على ذلك ، فقام عليه السلام به أحسن القيام ، وردّ كلّ وديعة إلى أهلها ، وأعطى كلّ ذي حقّ حقهّ ، وحفظ بنات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وحرمه ، وهاجر بهم ماشيا على قدميه يحوطهم من الأعداء ، ويكلأهم من الخصماء ، ويرفق بهم في المسير حتّى أوردهم عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم المدينة على أتمّ صيانة وحراسة ، ورفق ورأفة ، وحسن تدبير ، فأنزله